الخطيب الشربيني
11
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
فلذلك ذكر المصير مع ذكر الجزاء . تنبيه : المتقي يشمل من اتقى الكفر وإن لم يتق المعاصي وإن كان غيره أكمل . ثم ذكر تعالى تنعمهم فيها بعد أن ذكر نعيمهم بقوله تعالى : لَهُمْ فِيها أي : الجنة ما يَشاؤُنَ من كل ما تشتهيه أنفسهم كما قال تعالى : وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ [ فصلت ، 31 ] وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ [ الزخرف ، 71 ] فإن قيل : أهل الدرجات النازلة إذا شاهدوا الدرجات العالية لا بد وأن يريدوها ، فإذا سألوها ربهم فإن أعطاها لهم لم يبق بين الناقص والكامل تفاوت في الدرجة ، وإن لم يعطها لهم قدح ذلك في قوله تعالى : لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ ؟ أجيب : بأن الله تعالى يزيل هذا الخاطر عن قلوب أهل الجنة ويشتغلون بما هم فيه من اللذات عن الالتفات إلى حال غيرهم ، وقوله تعالى : خالِدِينَ منصوب على الحال إما من فاعل يشاؤون ، وإما من فاعل لهم لوقوعه خبرا ، والعائد على ما محذوف أي : لهم فيها الذي يشاؤونه حال كونهم خالدين وقوله تعالى : كانَ عَلى رَبِّكَ أي : وعدهم ما ذكر وَعْداً يدل على أن الجنة جعلت لهم بحكم الوعد والتفضل لا بحكم الاستحقاق ، وقوله تعالى : مَسْؤُلًا أي : مطلوبا ، اختلف في السائل ، فالأكثر على أن المؤمنين سألوا ربهم في الدنيا حين قالوا : رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ [ آل عمران ، 194 ] . روي أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « ما منكم من يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه بها إحدى ثلاث : إما أن يعجل له دعوته ، وإما أن يدخرها له في الآخرة ، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها ، قالوا : إذا نكثر ؟ قال : الله تعالى أكثر » « 1 » ، وروي : « أنه يدعى بالمؤمن يوم القيامة حتى يوقفه الله تعالى بين يديه فيقول : عبدي فيقول : نعم يا رب فيقول : إني أمرتك أن تدعوني ووعدتك أن أستجيب لك فهل كنت تدعوني ؟ أما إنك لم تدعني بدعوة إلا استجبت لك أليس دعوتني يوم كذا وكذا لما نزل بك أن أفرج عنك ففرجت عنك ؟ فيقول : نعم يا رب فيقول : إني عجلتها لك في الدنيا ، ودعوتني يوم كذا وكذا لما نزل بك أن أفرج عنك فلم تر فرجا ؟ قال : نعم يا رب فيقول : إني ادّخرت لك بها في الجنة كذا وكذا ، ودعوتني في حاجة أقضيها لك في يوم كذا وكذا فقضيتها ؟ فيقول : نعم يا رب فيقول : إني عجلتها لك في الدنيا ، ودعوتني يوم كذا وكذا في حاجة أقضيها لك فلم تر قضاءها ؟ فيقول : نعم يا رب ، فيقول : إني ادّخرت لك بها في الجنة كذا وكذا قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : فلا يدع الله دعوة دعا بها عبده المؤمن إلا بين له ، إما أن يكون عجل له في الدنيا وإما أن يكون ادخر له في الآخرة فيقول المؤمن في هذا المقام : يا ليته لم يكن عجل له شيء من دعائه » « 2 » ، وروي : « لا تعجلوا في الدعاء فإنه لا يهلك مع الدعاء أحد » « 3 » ، وروي : « ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة » « 4 » وروي : « يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول : دعوت فلم يستجب لي » « 5 » ، وروي :
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في الدعوات باب 115 ، وأحمد في المسند 3 / 18 . ( 2 ) الحديث لم أجده بهذا اللفظ في كتب الحديث التي بين يدي . ( 3 ) الحديث لم أجده . ( 4 ) أخرجه الترمذي في الدعوات حديث 3479 . ( 5 ) أخرجه البخاري في الدعوات حديث 6340 ، وأبو داود في الصلاة حديث 1484 ، والترمذي في الدعوات حديث 3387 .